وافق المشرعون الإسرائيليون، الاثنين، على خطة مثيرة للجدل لرئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، لتقييد نفوذ المحكمة العليا، وذلك في تحد لمجموعة واسعة من حركات المعارضة التي خرجت في احتجاجات في الشوارع تستمر منذ شهور.
وأقر الكنيست، الاثنين، بندا رئيسيا باسم “حجة المعقولية”، يهدف إلى الحد من صلاحيات المحكمة العليا في إلغاء قرارات حكومية، وبعد التصويت يصبح قانونا نافذا، بحسب وكالة “رويترز”.
وما بين تقديم طعن في المحكمة العليا وبحث تنفيذ إضراب عام، تتجه مجموعات في المجتمع المدني الإسرائيلي للرد على إقرار الكنيست مشروع القانون، وذلك في الوقت الذي يحذر فيه العديد من السياسيين والاقتصاديين من أن المضي قدما في التعديلات قد يعطل الاقتصاد الإسرائيلي.
التكنولوجيا.. المتضرر الأهم
ويظهر التأثير المباشر للتعديلات القضائية على الاقتصاد الإسرائيلي في قطاع التكنولوجيا الذي يعتبر محركا أساسيا للنمو في إسرائيل، حيث يمثل 15 في المئة من الناتج الاقتصادي، و10 في المئة من الوظائف، وأكثر من 50 في المئة من الصادرات و25 في المئة من الدخل الضريبي، بحسب “رويترز”.
وذكرت “رويترز”، الأحد، أن ما يقرب من 70 في المئة من الشركات الناشئة الإسرائيلية اتخذت إجراءات لنقل أجزاء من أعمالها خارج إسرائيل، وفقا لمسح نشرته منظمة إسرائيلية غير ربحية Start-Up Nation Centra، الأحد، حول الإصلاح القضائي.
وأشارت إلى أن التعديلات القضائية تسببت في انخفاض بنسبة 70 في المئة في جمع التبرعات التقنية في النصف الأول من العام الجاري.
ووفقا لتقرير يوليو الصادر عن معهد Start-Up Nation Policy Institute (SNPI) ، انخفضت الاستثمارات في شركات التكنولوجيا في إسرائيل للنصف الأول من عام 2023 بنسبة 68 في المئة إلى 3.7 مليار دولار، وهو أدنى معدل منذ عام 2018، بحسب شبكة “سي أن بي سي”.
وأظهر التقرير أيضا أن قطاع التكنولوجيا المالية في إسرائيل، بالإضافة إلى تكنولوجيا المعلومات للمؤسسات سجلا أكبر انخفاض بأكثر من 80 في المئة على أساس سنوي.
وذكر تقرير منفصل صادر عن مجموعة الاستثمار في الأسهم الخاصة الإسرائيلية فيولا، أن إسرائيل انخفضت عن تصنيفها كخامس أفضل نظام بيئي تكنولوجي في العالم إلى المرتبة العاشرة في القائمة.
الشيكل ينخفض والتضخم يرتفع
وذكرت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، في 11 يوليو، أن التكلفة المدمرة للإصلاح القضائي على الاقتصاد الإسرائيلي حتى الآن تقترب من 150 مليار شيكل، (40.950 مليار دولار)، بمتوسط خسارة أكثر من 50 ألف شيكل، أو 13500 دولار لكل أسرة، وذلك منذ 4 يناير، وهو اليوم الذي قدم فيه وزير العدل، ياريف ليفين، خطته لـ “الإصلاح القضائي”.
وحذرت الصحيفة أن الوضع سيتفاقم إذا لم يتم التخلي عن خطط الإصلاح الشامل بشكل نهائي.
وقرر بنك إسرائيل، في 10 يوليو، ترك سعر الفائدة المرجعي دون تغيير عند 4.75 في المائة لأول مرة منذ أكثر من عام، في ضوء المؤشرات الأولى على تراجع التضخم، لكنه حذر من أنه لن يتردد في رفع تكاليف الاقتراض في الأشهر المقبلة إذا أدى عدم اليقين بشأن التعديل القضائي المثير للجدل إلى زيادة علاوة المخاطرة في البلاد واستمرار ضعف الشيكل، بحسب موقع “تايمز أوف إسرائيل”.
ووفقا للموقع، يأتي وقف الزيادة بعد أن رفع البنك المركزي أسعار الفائدة بشكل مطرد من مستوى قياسي منخفض بلغ 0.1 في المئة، في أبريل 2022، لعشر مرات متتالية إلى 4.75 في المئة، في نهاية مايو، في محاولة لكبح جماح التضخم.
وأوضح الموقع أن عدم اليقين السياسي بشأن الإصلاح القضائي أدى إلى ضعف الشيكل بنحو 10 في المئة منذ بداية العام الجاري، وبالتالي ارتفاع التضخم مصحوبا بزيادة أسعار السلع المستوردة مثل المواد الغذائية والغاز والسفر إلى الخارج.
وفي حديثه بعد قرار سعر الفائدة، قدر محافظ البنك المركزي الإسرائيلي، أمير يارون، أن الضعف في العملة المحلية أدى إلى زيادة التضخم بما لا يقل عن 1 في المئة إلى 1.5 في المئة، في حين أشار إلى أنه إذا استمر هذا الاتجاه فإن البنك المركزي سيحتاج إلى رفع تكاليف الاقتراض لكبح زيادة الأسعار، وفقا للموقع.
وتعليقا على تأثير الإصلاح القضائي المقترح على الاقتصاد في الأشهر الأخيرة، حذر يارون من أنه أدى إلى زيادة مستوى عدم اليقين في الاقتصاد الإسرائيلي، كما يتجلى في “الاستهلاك المفرط” للشيكل وضعف أداء سوق الأسهم الإسرائيلية مقابل الأسواق العالمية، بحسب الموقع.
ونقل الموقع عن يارون قوله إن “استمرار عدم اليقين قد يكون له تكاليف اقتصادية ملحوظة. لذلك، من المهم إعادة الاستقرار واليقين للاقتصاد الإسرائيلي، والتحقق من تنفيذ التغييرات التشريعية باتفاق واسع مع الحفاظ على قوة واستقلالية المؤسسات”.
وقام قسم الأبحاث في بنك إسرائيل بمراجعة توقعات نمو الاقتصاد، العام الجاري، على افتراض أن الخلافات حول التغييرات التشريعية المقترحة قد تم حلها بطريقة لا يكون لها تأثير سلبي. ويتوقع البنك المركزي الآن أن ينمو الاقتصاد الإسرائيلي بنسبة 3 في المئة في كل من عام 2023 وعام 2024 بتباطؤ من 6.5 في المئة العام الماضي. ويقارن ذلك مع توقعاته السابقة للنمو عند 2.5 في المئة للعام 2023.
التصنيفات الائتمانية لإسرائيل في خطر
والتصنيفات الائتمانية لإسرائيل مهددة أيضا بالانخفاض، إذ ذكر موقع “إسرائيل هيوم”، الأحد، أن وكالة التصنيف الائتماني الأميركية “فيتش” تراقب عن كثب تطورات الإصلاح القضائي في إسرائيل.
وأوضح الموقع أن الشركة عقدت جولة اجتماعات مع مسؤولين اقتصاديين، ومن المتوقع أن ينشر خبيرها الاقتصادي، الذي زار إسرائيل الأسبوع الجاري، قراره بشأن إسرائيل في أوائل أغسطس.
ووفقا لما نقل الموقع عن مسؤولين اقتصاديين إسرائيليين كبار التقوا بأعضاء وفد “فيتش”، فإن الشركة تراقب التطورات وتحدثت مع العديد من المسؤولين وشاهدت الاحتجاجات المناهضة للإصلاح.
وأوضحوا أنه رغم علم “فيتش” بأن إسرائيل تتمتع باقتصاد قوي، لكنهم يريدون أن يروا تأثير التعديلات القضائية على استثمارات التكنولوجيا العالية والنشاط الاقتصادي بشكل عام”.
ولفت الموقع إلى أن وكالة فيتش للتصنيفات الائتمانية أصدرت، في مايو، تحديثا خاصا بشأن إسرائيل، عندما استكملت قوتها الاقتصادية، لكنها أعربت عن قلقها من أن التشريع قد يضر بالتصنيف الائتماني السيادي لإسرائيل “إيه بلس”.
ووفقا للموقع، فمن المرجح أن يطرح اقتصاديون في شركة التصنيف “ستاندرد آند بورز” أسئلة مماثلة أيضا.
خبراء الاقتصاد يطلقون تحذيرات علنية
وهذه المؤشرات دفعت العديد من الخبراء الاقتصاديين في إسرائيل إلى تحذير الحكومة بشكل علني من مخاطر الاستمرار في التعديلات القضائية. وأوضحت صحيفة “جيورزاليم بوست” أن الرئيسين التنفيذيين لأكبر بنكين في إسرائيل، لئومي وهبوعليم بوليتا، دعيا الحكومة، في 22 يوليو، إلى وقف التعديلات القضائية، وحذرا من التداعيات الاقتصادية في حالة الاستمرار.
ونقلت الصحيفة عن المدير التنفيذي لشركة لئومي، حنان فريدمان، قوله إن “المستثمرين الذين نتحدث معهم في الأشهر الأخيرة قلقون للغاية بشأن التحركات أحادية الجانب من جانب الحكومة، وبالطبع قلقهم من الانقسام في الأمة، يدفعهم إلى وقف الاستثمارات والتسبب في أضرار قد تكون مدمرة وغير قابلة للإصلاح للاقتصاد الإسرائيلي”.
وقال الرئيس التنفيذي لهبوعليم بوليتا، دوف كوتلر: “نطالب قادة دولة إسرائيل بالتوقف والتحدث والتوصل إلى اتفاقات”، بحسب الصحيفة.
وانضمت إلى كوتلر وفريدمان محافظة البنك الإسرائيلي المركزي السابقة من 2013 إلى 2018، كارنيت فلوغ، وحذرت في مقابلة مع موقع “جيويش إنسايدر”، في 22 يونيو، من التأثير السلبي للتعديلات على الاقتصاد الإسرائيلي.
وقالت فلوغ، التي تشغل حاليا منصب نائبة رئيس الأبحاث في معهد إسرائيل للديمقراطية: “هناك إجماع واسع جدا بين الاقتصاديين، وهو أمر غير معتاد للغاية، يعبر عن مخاوف كبيرة بشأن الآثار المحتملة على الاقتصاد نتيجة هذا الإصلاح القضائي”.
وأشار ت فلوغ إلى أن قطاع التكنولوجيا الفائقة مهم للغاية في إسرائيل، حيث يعمل فيه حوالي 11 في المئة من جميع الموظفين، وهو مسؤول عن 17 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للدولة وعن 25 في المئة من إجمالي عائدات الضرائب المباشرة، فضلا عن 54 في المئة من الصادرات الإسرائيلية.
وصرح نائب محافظ البنك المركزي الإسرائيلي السابق، زفي إيكشتاين، لشبكة “سي أن بي سي”، في 14 يوليو، أن الاحتجاجات الجديدة في إسرائيل على الإصلاح القضائي ستؤدي إلى تباطؤ كبير في اقتصاد البلاد.
وقال إيكشتاين، الذي يشغل حاليا منصب عميد كلية تيومكين للاقتصاد، لـ”سي أن بي سي” إن الاضطرابات الشديدة، التي بدأت منذ شهور، سيكون لها على الأرجح “تأثير كبير” على الاقتصاد وتدفق الاستثمارات.
وأضاف أن الإصلاح القضائي أدى أيضا إلى “انخفاض كبير” في الاستثمارات في قطاع التكنولوجيا العالية في إسرائيل، والذي يعد ركيزة أساسية للاقتصاد الإسرائيلي.
وأوضح إيكشتاين أن “معظم نمو الاقتصاد الإسرائيلي، حوالي 40 في المئة، نتج عن قطاع التكنولوجيا الفائقة”، مشيرا إلى أن هناك حاليا انخفاضا بنسبة 80 في المئة في الاستثمار في الشركات الناشئة والنامية في البلاد.