بدأت الحكومات الأوروبية إجلاء مواطنيها من النيجر، الثلاثاء، بعد أن أثار الانقلاب الذي وقع الأسبوع الماضي في الدولة الواقعة بغرب أفريقيا التوترات بين حلفاء موسكو في المنطقة والدول التي عملت بشكل وثيق مع الولايات المتحدة والقوى الغربية الأخرى، وفقا لتقرير نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال”.
وتُظهر عمليات الإجلاء، التي قادتها فرنسا، القوة الاستعمارية السابقة للنيجر، أن “الحكومات الأوروبية تعتقد أن هناك خطرا متزايدا على مواطنيها في النيجر، التي كانت تعتبر محورية في جهود الولايات المتحدة لمحاربة المسلحين الإسلاميين في منطقة الساحل جنوب الصحراء”.
ويشعر مسؤولون غربيون بالقلق من أن المجلس العسكري الذي احتجز رئيس النيجر المنتخب، محمد بازوم، الأسبوع الماضي قد “يطور علاقات أوثق مع روسيا، خاصة إذا قطعت فرنسا والولايات المتحدة المساعدات العسكرية”، وفقا للصحيفة.
وحمل متظاهرون مؤيدون للانقلاب، الأحد، أعلاما روسية ولافتات تطالب بخروج فرنسا من النيجر، وألقى بعضهم الحجارة على السفارة الفرنسية في العاصمة نيامي.
وشغلت الأنباء عن انقلاب النيجر، وهي دولة تتوسط قارة أفريقيا ولها حدود مع دولتين عربيتين هما ليبيا والجزائر، دوائر القرار في الغرب ووسائل الإعلام بشكل كبير منذ بضعة أيام.
سقوط آخر حلفاء الغرب في أفريقيا.. كيف وسعت موسكو نفوذها في القارة؟
شغلت الأنباء عن انقلاب النيجر، وهي دولة تتوسط قارة أفريقيا ولها حدود مع دولتين عربيتين هما ليبيا والجزائر، دوائر القرار في الغرب ووسائل الإعلام بشكل كبير خلال الأيام الماضية.
ولا تمتلك النيجر، التي تتذيل قوائم أفقر دول العالم، التأثير التجاري أو الجيوسياسي الذي تتمتع به دول أخرى تتعرض لأزمات، لكنها تعتبر بالنسبة لكثير من المحللين “آخر حليف موثوق به للغرب في القارة الأفريقية”، كما يشير تقرير لأسوشيتد برس.
والأحد، سار آلاف من داعمي الانقلاب في شوارع العاصمة، نيامي، وهم يحملون، بالإضافة إلى أعلام بلادهم، أعلام روسيا، ويرددون هتافات تشيد بالرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، وتندد بفرنسا، المستعمر السابق للبلاد.
وفي نهاية المسيرة، أشعل المتظاهرون النار في بوابة السفارة الفرنسية لدى النيجر، قبل أن تفرقهم قوات الجيش والشرطة.
وفي شهادته أمام الكونغرس الأميركي، منتصف يوليو الماضي، قال جوزيف ساني، نائب رئيس مركز أفريقيا في المعهد الأميركي للسلام، إن روسيا “أعادت إحياء اهتمامها بأفريقيا” منذ عقد من الزمان.
وأضاف ساني أن “الصين أبدت اهتماما متزايدا بالقارة خلال السنوات القليلة الماضية”.
ودعا ساني الولايات المتحدة وحلفاءها إلى إعادة النظر بسياستهم الأفريقية بعد “النجاح النسبي لروسيا في جمهورية أفريقيا الوسطى ومالي والسودان”.
وكشف الانقلاب، الذي قاده الحرس الرئاسي القوي في النيجر، عن انقسامات عميقة بين جيرانها في غرب أفريقيا، والتي شهد بعضها انقلابات منذ 2020.
في المقابل، أسفر الانقلاب عن انتقادات دولية واسعة، وعلى رأسها من الولايات المتحدة حيث دعت إلى ضرورة عودة المؤسسات الديمقراطية والرئيس المنتخب، وأجرى وزير الخارجية، أنتوني بلينكن، الجمعة، اتصالا هاتفيا مع بازوم، أكد خلاله دعم الولايات المتحدة “الثابت” له.
وشدد بلينكن على أن الانقلاب العسكري يُعرض للخطر “مساعدات بمئات ملايين الدولارات” لنيامي، لافتا إلى أن واشنطن “ستواصل العمل لضمان الاستعادة الكاملة للنظام الدستوري والحكم الديمقراطي في النيجر”.
وعن دور موسكو في الانقلاب، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارين جان-بيير، إن الولايات المتحدة “لا ترى أي مؤشرات يعتد بها على تورط روسيا أو قوات مجموعة فاغنر العسكرية الروسية الخاصة في الانقلاب في النيجر”.
وألقى قادة المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، التي تهيمن عليها نيجيريا، أكبر اقتصاد في أفريقيا، والتي تشترك في حدود تتجاوز 1000 كيلومتر مع النيجر، بثقلهم وراء بازوم.
وفرضت المجموعة، المعروفة باسم إيكواس، عقوبات مالية وتجارية صارمة على النيجر وقالت إنه إذا فشل المجلس العسكري في إعادة بازوم إلى منصبه بحلول نهاية الأسبوع، فسوف تفكر في التدخل العسكري.
وأثار هذا التهديد تحذيرا من القادة العسكريين لمالي وبوركينا فاسو، وهما اثنان من جيران النيجر الذين تحالفوا مع موسكو بعد انقلاباتهم الخاصة، بأنهم سيساعدون في الدفاع عن المجلس العسكري النيجري ضد تدخل إيكواس.
رسم موازين القوى
وأشار ساني إلى نمط محدد تعيد روسيا من خلاله رسم موازين القوى في القارة من خلال الاضطرابات.
وتزايد نفوذ روسيا في السودان بعد الأحداث الأخيرة، حيث يصطرع قادة القوات المسلحة، القريبون نسبيا من الغرب، مع قائد ميليشيا الدعم السريع، القريبة نسبيا من روسيا، وفقا لأسوشيتد برس.
وتمتلك روسيا مصالح مهمة في السودان، منها مناجم للذهب.
وتشير دراسة للمركز الأفريقي للدراسات إلى أن “روسيا وسعت نفوذها في أفريقيا في السنوات الأخيرة أكثر من أي لاعب خارجي آخر”.
وتضيف الدراسة أن “استراتيجيات روسيا تعتمد عادة على وسائل غير قانونية لتوسيع نفوذها، مثل نشر المرتزقة، وترويج المعلومات المضللة، والتدخل في الانتخابات، ودعم الانقلابات، وصفقات الأسلحة مقابل الموارد الطبيعية، وأمور أخرى”.
ويصف المركز هذه الاستراتيجيات بأنها “منخفضة التكلفة وعالية التأثير”، ويقول إنها تهدف “إلى تعزيز نظام عالمي مختلف تماما عن الأنظمة السياسية الديمقراطية القائمة على القواعد التي يطمح إليها أغلب الأفارقة”.
ويحذر المركز من أن نتائج التدخلات الروسية في أفريقيا سيكون لها آثار بعيدة المدى على معايير الحكم والأمن في القارة.
عمليات الإجلاء
وتسعى السلطات الفرنسية الى أن تنجز، الأربعاء، عمليات الإجلاء الجوي التي بدأت مساء الثلاثاء، لإخراج الرعايا المدنيين من النيجر في ظل الخشية من تدهور الأوضاع في أعقاب الانقلاب، وفقا لفرانس برس.
وخصصت فرنسا مبدئيا أربع طائرات لإجلاء المدنيين، وغالبيتهم من رعاياها، في أول عملية إجلاء واسعة النطاق تقوم بها في منطقة الساحل حيث تزايدت الانقلابات العسكرية منذ عام 2020.
وبررت باريس قرار الإجلاء “بأعمال العنف التي تعرضت لها سفارتنا (الأحد) وإغلاق المجال الجوي الذي يحرم رعايانا من أي إمكان لمغادرة البلاد بوسائلهم الخاصة”.
وأقلعت طائرة أولى تقل فرنسيين وآخرين مساء الثلاثاء من نيامي وحطت في مطار شارل ديغول في باريس.
وأفادت وزيرة الخارجية الفرنسية، كاترين كولونا، وكالة فرانس برس أن الطائرة نقلت على متنها 262 شخصا “بينهم 12 رضيعا”، موضحة أن غالبيتهم من الفرنسيين إضافة إلى “بعض المواطنين الأوروبيين”.
وأشارت الخارجية الفرنسية إلى أن الطائرة نقلت أيضا لبنانيين ونيجيريين وبرتغاليين وبلجيكيين وإثيوبيين.
ووفق الخارجية الفرنسية، أبدى 600 فرنسي من أصل 1200 مسجلين لدى الدوائر القنصلية في نيامي، رغبتهم في المغادرة والعودة إلى بلادهم.
وفي وقت سابق، أوضحت هيئة الأركان أن إجلاء الجنود الفرنسيين المتمركزين في النيجر “ليس على جدول الأعمال”.
في السياق ذاته، أعلنت إيطاليا وصول نحو مئة شخص بينهم إيطاليون من النيجر إلى روما، الأربعاء، بعدما أجلتهم السلطات الإيطالية لأسباب أمنية. بدورها، نصحت ألمانيا رعاياها في العاصمة بالمغادرة.
من جانبه، أعلن البيت الأبيض أن الولايات المتحدة لم تتخذ أي قرار إجلاء في الوقت الحالي.
ويبدو أن فرنسا، قوة الاستعمار السابقة في منطقة الساحل والداعمة لبازوم، هي الهدف الرئيسي للعسكريين الذين يتولون السلطة في النيجر بعدما أطاحوا الرئيس منتصف الأسبوع الماضي، وفقا لفرانس برس.
توتر إقليمي
وفي مؤشر إلى التوتر الإقليمي، حذرت السلطات في واغادوغو وباماكو، الاثنين، في بيان مشترك، من أن أي تدخل عسكري في النيجر لإعادة بازوم إلى الحكم سيكون بمثابة “إعلان حرب على بوركينا فاسو ومالي”.
وأضافت بوركينا فاسو ومالي في بيان مشترك، أنهما “ترفضان تطبيق العقوبات غير القانونية وغير المشروعة واللاإنسانية ضد الشعب والسلطات النيجرية” التي اتخذتها، الأحد، الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا في أبوجا.
وعقدت قمة استثنائية للجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا والنيجر عضو فيها إلى جانب 14 بلدا آخر، الأحد، في أبوجا برعاية رئيس نيجيريا، بولا تينوبو، الذي يتولى رئاسة التكتل منذ مطلع يوليو.
وطلبت الجماعة في ختام القمة “الإفراج الفوري” عن بازوم و”العودة إلى النظام الدستوري في جمهورية النيجر”.
ومن المتوقع أن يتوجه وفد من الجماعة برئاسة النيجيري، عبد السلام أبو بكر، الأربعاء، إلى النيجر، وفق ما أكدت مسؤولة في الجماعة ومسؤول عسكري في النيجر، طالبين عدم كشف اسميهما.
وتعد النيجر من أفقر دول العالم على الرغم من مواردها من اليورانيوم. واعتبرت المفوضية الأوروبية، الثلاثاء، أنه “لا خطر” على إمدادات الاتحاد الأوروبي من اليورانيوم بعد الانقلاب في النيجر، الدولة التي تمثل ربع الإمدادات الأوروبية، بسبب المخزونات الموجودة بالفعل.
وباتت النيجر التي تقوضها هجمات جماعات مرتبطة بتنظيمي داعش والقاعدة، ثالث دولة في المنطقة تشهد انقلابا منذ عام 2020 بعد مالي وبوركينا فاسو.
اترك تعليقاً