في عام 2016، كانت المغربيات في موعد مع أول مشروع قانون في تاريخ المملكة لمحاربة العنف ضدهن، ومن حينها سنت قوانين جديدة وألغيت أخرى، لكن رغم ذلك لا تزال البلاد تشهد ارتفاعا في حالات العنف، وفق تقارير دولية ومحلية.
وفي مارس عام 2016، صادقت الحكومة المغربية على القانون هو الأول في تاريخ المملكة، بعدما بقي النقاش حوله معلقا منذ اقتراحه، سنة 2013.
وقبلها في 2015، كان البرلمان المغربي صادق بإجماع النواب، على مشروع قانون رقم 125.12، الذي يوافق بموجبه على البروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.
أمينة الفيلالي.. ضغط شعبي ينتهي بإلغاء قانون
وتعرُّض السلطات المغربية لإحراج في قضايا قبل ذلك جعلها تغير القوانين، وكان أبرزها قضية أمينة الفيلالي، التي دفعتها إلى إلغاء قانون تزويج المغتصب بضحيته.
وفي عام 2012، أدى انتحار الفتاة، أمينة الفيلالي، بعد تزويجها من مغتصبها إلى إلغاء القانون الذي كان يتيح هذا “الحل” في المغرب بعد ضجة واستنكار واسعين.
وتحت ضغط كبير من الشارع ومنظمات حقوق الإنسان، غيّرت السلطات القانون.
وألغي الفصل 475 من القانون الجنائي، في عام 2014، الذي كان ينص على منع ملاحقة المغتصب في حال تزوجت به الضحية، واستبعاد إمكانية متابعته إلا بناء على شكوى من شخص له الحق في طلب إبطال الزواج.
وبعد قرابة ثماني سنوات، خلصت هيئة رسمية مغربية، الأربعاء، إلى أن ثغرات عديدة لا تزال تسم الممارسة القضائية فيما يتعلق بقضايا العنف ضد النساء.
ورصد المجلس الوطني لحقوق الإنسان من خلال تحليل عينة من الأحكام القضائية إلى أن العنف ضد النساء لا يزال أمرا خاضعا للتسامح.
ويُجمع حقوقيون تحدثوا لموقع “الحرة” على أن المملكة شهدت تطورات في قوانينها لمحاربة العنف ضد النساء على مر السنين، وصادقت على اتفاقيات دولية ضمن جهودها لمحاربة لذلك، غير أن الظاهرة لا تزال تتزايد بسبب عوامل أخرى اجتماعية واقتصادية.
بدأ الاهتمام بالعنف الممارس ضد النساء مع بداية ظهور منظمات المجتمع المدني في المملكة في العشرية الماضية.
“تابو” مسكوت عنه
تقول المحامية وعضو “تحالف إصرار للتمكين والمساواة”، فتيحة اشتاتو، في حديث لموقع “الحرة” إن العنف ضد النساء كان مسكوتا عنه في المغرب، لكن بفضل المجتمع المدني وظهور الحركات الحقوقية في العقود الأخيرة تم كسر “التابو”.
وفي بداية الألفية الجديدة، أقرت الدولة المغربية بالعنف ضد النساء، سواء عبر إحصائيات رسمية، أو عبر المندوبية السامية للتخطيط، إضافة إلى تقارير الجمعيات الحقوقية التي تتوفر على مراكز استماع.
في عام 2018، ساهمت منظمات المجتمع المدني في الضغط لإخراج قانون جديد ضد العنف ضد النساء.
تقول اشتاتو إن الجمعيات كانت تطالب بقانون خاص، لكن الدولة اقتصرت على تعديل بعض نصوص القانون الجنائي، مشيرة إلى أنه رغم ثغراته رحبت به المنظمات الحقوقية.
وتشير اشتاتو إلى أن قانون عام 2018 عرف لأول مرة بعض أنواع العنف، ومنها الجسدي والاقتصادي والجنسي والنفسي، لكنه أغفل العنف الرقمي والعنف القانوني الممارس ضد النساء في بعض المؤسسات.
وتقول الحقوقية المغربية إن السنوات التي تلت ذلك شهدت توقيع الرباط على اتفاقيات أخرى منها حقوق الطفل.
ولكن رغم ذلك، تقول اشتاتو: “تبين أن العنف مستمر، خاصة ضد القاصرات، وأبرزها قضية “طفلة تيفلت” التي تكن تبلغ بعد 18 سنة واعتدي عليها، وتلقى المعتدون أحكاما بسيطة ومخففة.
وفي أبريل الماضي، شددت محكمة الاستئناف بالعاصمة المغربية، الرباط، أحكاما بالسجن في حق متهمين باغتصاب “طفلة تيفلت” نتج عنه حمل، في قضية أثارت غضبا واسعا بالمملكة بعد حكم أولي اعتبر مخففا.
وقضت المحكمة بالسجن 10 سنوات في حق متهمين اثنين، و20 عاما في حق المتهم الثالث.
ورفعت المحكمة مبلغ التعويض للضحية إلى 40 ألف درهم يؤديها المتهمان الأولان، و60 ألف درهم للمتهم الثالث، وفق ما نقلت وسائل إعلام مغربية.
قوانين لا تكفي
تقول الحقوقية اشتاتو، إنه رغم تواجد القانون فهو يبقى غير كاف، مشيرة إلى أن “هناك ظروفا اجتماعية واقتصادية”.
وتضيف اشتاتو أن “العقليات والقيم كلها لها تأثير في انتشار العنف”، تبقى معها القوانين غير كافية.
تتفق بشرى عبدو، رئيسة جمعية التحدي للمساواة والمواطنة، في حديث لموقع “الحرة” أن العقليات التقليدية تصعب من مكافحة العنف ضد النساء رغم ترسانة القوانين بالبلاد.
وتشير عبدو إلى أن غياب الإمكانيات المادية لدى الضحايا يمنعهن من التقاضي والسعي لتحقيق العدالة بحق أنفسهن.
وترى الحقوقية المغربية أن الحل يكمن في قانون يشمل وقاية وحماية وزجر وجبر الضرر ، وبدون ذلك “لا يمكن أن يتم التقليص من العنف الممارس على النساء والفتيات”.
وتقر عبدو أن حتى القوانين ليست زجرية بما يكفي.
وسبق أن انتقدت منظمات حقوقية مغربية في قضايا متفرقة خلال الأعوام الماضية أحكاما اعتُبرت مخفّفة ضد متهمين باعتداءات جنسية على قاصرين، داعية إلى تشديد العقوبات.
ويرى أستاذ العلوم الدستورية بالمغرب، رشيد لزرق، إنه رغم تطور قوانين العنف ضد النساء في البلاد، فإنها تظل غير كافية.
وفي حديث لموقع “الحرة” يقول لزرق إن “المقاربة القانونية وحدها غير كافية، بل تقتضي مقاربة ذات طابع شمولي، ثقافية وتنموية”.
ويشير لزرق إلى أن هناك “علاقة جدلية بين العنف و التنمية”، مضيفا أن “مواجهة ظاهرة العنف لا تكون بالقانون، رغم أهميته، فشموليتها تقتضي تكريس حقوق الإنسان كثقافة وممارسة لحماية الإنسان عامة، والمرأة خصوصا”.
شكاوى من “بطء” القضاء
تشير حياة في حديث لموقع “الحرة” إلى أن العنف الزوجي اشتد ضدها في فترة إجراءات فيروس كورونا لتقرر الانفصال عن زوجها. ورغم لجوئها للسلطات، إلا أن بيروقراطية الإدارات أتعبتها لمدة عامين.
وتصف حياة، ما عاشته بأنه “عذاب بسبب طول الإجراءات”، كما أن زوجها السابق بات يعترض طريقها ويهددها، مشيرة إلى أنها كلما عمدت إلى تقديم شكوى ضده لا يتم التعامل معها بجدية من قبل السلطات.
وتقول إن عدد المرات التي قدمت شكوى بسبب اعتراضه طريقها وصلت لأكثر من خمس مرات، قبل أن تقرر اللجوء إلى المحكمة التي أصدرت قرارا للشرطة التي أجبرته على توقيع تعهد بعدم الاعتراض.
وحتى بعد توقفه عن اعتراض طريقها، لا تزال حياة تخوض معركة قانونية أخرى من أجل النفقة، إذ سجن في السابق لامتناعه عن دفع نفقات عيش ابنتيه، وهي معركة تقول إنها طويلة ومتعبة.
أما “وفاء” (اسم مستعار)، فتقول إن ولادة توأمها كانت بداية مشاكلها مع زوجها، إذ لم يتقبل أن يكون أحدهما معاقا، ورفض التكفل بمصاريفه.
وقالت “وفاء”، التي طلبت في حديث لموقع “الحرة” بعدم الكشف عن اسمها، إن الزوج سرعان ما بدأ يعنفها ويضربها لتقرر مغادرة البيت واللجوء إلى بيت أهلها وتطلب المساعدة القانونية من جميعة محلية.
وتقول وفاء إنها خاضت معركة طويلة أمام القضاء، إذ نجح زوجها في الإفلات من دفع النفقة في أول مرة بعدما قدم شهادة غير حقيقية عن كونه عاطلا عن العمل رغم أنه يعمل.
وتشير إلى أن القاضية في أول حكم أمرته بدفع 100 درهم (ما يعادل 100 دولار شهريا) شاملة لمصاريف زوجته وتوأمها، ما دفعها لاستئناف الحكم كون المبلغ غير كافٍ.
وبعد خوض معركة قانونية أخرى بمساعدة الجمعية الحقوقية فرض على الزوج من جديد دفع ما يقارب من أربعة آلاف دولار، لكنه رفض دفعها.
وتقول وفاء في حديثها للحرة إنها لجأت من جديد إلى الشرطة مستعينة بقرار المحكمة، وتمكنت الشرطة من فرض اتفاق بين الزوجين يلزم الزوج بدفع المبلغ على دفعات شهرية.
بعد أشهر من أنباء عن مقتله في غارة لداعش.. ظهور مراهق أسترالي “على قيد الحياة”
اترك تعليقاً