رحّلت تونس، مساء الأربعاء، 27 مهاجرا من جنسيات أفريقية نحو بلدانهم الأصلية، في وقت لا يزال فيه مئات المهاجرين واللاجئين الآخرين، متروكين لحال سبيلهم يقاسون أوضاعا صعبة، على الحدود مع ليبيا.
ويتواصل بمدن الجنوب التونسي إيواء مئات المهاجرين غير النظاميين من جنسيات مختلفة، في انتظار التنسيق لـ”ترحيل كل من عبر عن الرغبة في ذلك”، حسبما أفاد مراسل “الحرة” بتونس نقلا عن السلطات.
وفيما لم يصدر أي بيان عن تفاصيل العملية من الجهات الرسمية، تحدثت وسائل إعلام محلية، عن أن إجراءات الترحيل، “تأتي بعد تنسيق بين منظمة الهجرة الدولية والسفارات والبعثات الدبلوماسية لبلدانهم واستيفاء كل الشروط القانونية للترحيل الطوعي”.
في هذا الجانب، أشارت صحيفة “تونس الرقمية”، إلى تواصل “مساعي السلطات الجهوية والمركزية التنسيق مع منظمة الهجرة الدولية والهلال الأحمر التونسي، بحثا عن حلول قانونية لباقي المهاجرين غير النظاميين والمتواجدين بمختلف مراكز الإيواء”.
وفي نفس السياق، أوردت إذاعة “موزاييك”، أنه تم “تأمين تنقل الـ27 مهاجرا، نحو العاصمة تونس قبل ترحيلهم إلى دولهم، بعد أن أقاموا بمركز الإيواء بالمركب الشبابي لمدينة مدنين، بالجنوب الشرقي منذ أكثر من 20 يوما.
وسبق أن صرح والي المدينة، سعيد بن زايد، الأربعاء، لوكالة الأنباء التونسية الرسمية، أن إيواء المهاجرين داخل الولايات، ومنها ولاية مدنين “مؤقت وظرفي في انتظار تدخل المنظمات الدولية ذات العلاقة للقيام بإجراءات العودة الطوعية إلى بلدانهم الأصلية، بما أنّ عددا هاما منهم أعرب عن رغبته في ذلك”.
وتأتي مساعي السلطات التونسية لترحيل المهاجرين، مع تواصل “الأزمة الإنسانية” التي يعيشها مئات آخرون، بينهم أطفال ونساء، على الحدود مع ليبيا، بـ”دون مياه أو طعام أو وسيلة للاحتماء من أشعة الشمس والرياح”، بعد أن نقلتهم السلطات التونسية إلى هذه المنطقة، وفقا لفرانس برس.
“ممارسة لا إنسانية”
وينتقد فاعلون ومنظمات حقوقية تدبير السلطات التونسية لملف الهجرة غير النظامية، خاصة بعد طردها مئات المهاجرين نحو مناطق صحراوية نائية قرب الحدود مع ليبيا والجزائر، ثم شروعها فيما تعتبره “عمليات ترحيل طوعي”.
الناشط الحقوقي المهتم بقضايا الهجرة، عزيز الشاب، يعتبر أن عمليات الترحيل “ممارسة لا إنسانية تقترفها بعض الدول ضد المهاجرين، غاضة الطرف عن كونهم فارين ولاجئين من مناطق نزاع وحروب أو أوضاع اجتماعية أو اقتصادية صعبة، فرضت عليهم الهجرة من المقام الأول”.
ويشير الشاب في تصريح لموقع “الحرة”، إلى أن الدول التي تعمد إلى فرض هذه المقاربة، ومن بينها تونس، “تستبعد كل الحلول والمقاربات الأخرى الحقوقية والإنسانية، مثل إدماجهم اجتماعيا واقتصاديا أو تسوية وضعيتهم بشكل قانوني، وتختار السبل غير القانونية”.
ويكشف المتحدث ذاته، أن “الترحيلات كانت لتكون مقبولة وطوعية حقا، لو أنها تمت في ظروف تحترم حقوق الإنسان والمهاجرين، أما وهي قسرية أو تحت التهديد بالقبول أو النقل إلى الصحراء بين ليبيا والجزائر، فهذا يمثل خطرا على الوضعية الحقوقية بتونس”.
وتقطعت السبل بالمئات من المهاجرين المنحدرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء على الحدود الليبية في منطقة نائية، يقولون إن السلطات التونسية نقلتهم إليها من مدينة صفاقس هذا الشهر، في أعقاب مواجهات بين سكان محليين ومهاجرين، أسفرت عن مقتل مواطن تونسي.
وأعلنت السلطات الليبية، الثلاثاء، العثور على جثث لخمسة مهاجرين، قضوا في الصحراء في منطقة حدود مع تونس.
وكشفت المنظمة العربية لحقوق الإنسان بليبيا، الأسبوع الماضي، عن إنقاذ السلطات الليبية لحوالي 360 مهاجرا من، “بعدما نقلتهم الشرطة التونسية بالقوة إلى مناطق نائية على الحدود بين البلدين وتركتهم فيها”، وهو نفس ما تؤكده شهادات جمّعتها “هيومن رايتس ووتش”.
“توسيع الحدود”
ويربط الشاب بين القرارات الأخيرة والاتفاقية التي وقعتها تونس مع دول أوروبية، مشيرا إلى أنها ركزت بالأساس على ملف الهجرة واللجوء، حيث تم التوافق على “إرجاع المهاجرين التونسيين غير النظاميين الموجودين على التراب الإيطالي إلى بلدهم، إضافة إلى “إعادة المهاجرين القادمين من دول أفريقيا جنوب الصحراء بتونس نحو مواطنهم الأصلية”.
ويوضح المتحدث ذاته أن هذه الممارسات “مستوردة” من دول أوروبية، وخاصة إيطاليا وهولندا، اللتين بدأتا في تبني سياسة ترحيل المهاجرين، وتعملان على التنسيق مع الدول المغاربية على تطبيق هذه الإجراءات، ضمن خططها لـ”توسيع حدودها”.
وتوافد على تونس، خلال السنوات الأخيرة، آلاف من المهاجرين القادمين من دول جنوب الصحراء والتي تمر بأزمات سياسية واقتصادية ونزاعات، ويتخذون من المحافظات الساحلية أملا في العبور نحو السواحل الإيطالية على متن قوارب.
ووقع الاتحاد الأوروبي وتونس مذكرة تفاهم بشأن “شراكة استراتيجية” جديدة وحزمة تمويل بقيمة مليار يورو للبلاد، منها 105 مليون يورو لمكافحة نشاط الهجرة غير النظامية بالبحر الأبيض المتوسط.
في هذا الجانب، يشير الشاب إلى أن دولا أوروبية تستغل تصاعد أزمة الهجرة بالبحر الأبيض المتوسط، من أجل فرض “سياساتها الحمائية، التي تقوم أساسا على محاولة تمديد حدودها إلى دول العبور التي ينطلق منها المهاجرون”.
ويوضح الشاب أن التمهيد لهذه السياسة من الدول الأوروبية، بدأ منذ سنوات 2018 و2019، حيث عمل الاتحاد الأوروبي “أولا على تقديم الدعم والمساعدة لإدماج المهاجرين في الدول المغاربية، الأمر الذي كان ليكون إيجابيا لو لم تكن أهدافه حمائية”.
قبل أن تتحول هذه السياسة التي أثبتت فشلها، بحسب الشاب، إلى محاولة منع المهاجرين من الوصول إلى السواحل أو الأراضي الأوروبية، وذلك عبر فرض إجراءات ترحيلهم من الدول التي يهاجرون منها نحو بلدانهم الأصلية.
“فخ الاستيطان”
والأربعاء، قال وزير الداخلية التونسي، كمال الفقي، إن تونس “لا تقبل أن تكون دولة عبور أو توطين للمهاجرين أو قبولهم في مخيمات”، داعيا المنظمات الدولية والجمعيات الناشطة في مجال الهجرة وحقوق الإنسان إلى “توفير المساعدات اللازمة لهم، بالتشاور والتعاون مع السلطات الأمنية”.
وأضاف المسؤول التونسي في حديثه بالبرلمان، أن حكومة بلاده عملت على “توفير كل الظروف الصحية والمعيشية للمهاجرين غير النظاميين المتواجدين ببلادنا، لكن دون التورط في قبولهم في مخيمات الذي يعني الوقوع في فخ الاستيطان”.
وأشار إلى أن السلطات التونسية “لن تتوان في مساعدة كل من يرغب في العودة الطوعية إلى بلاده بالطرق القانونية وفي إطار احترام حقوق الإنسان”، مشددا على أن “من حق الدولة التونسية حماية حدودها والحفاظ على خصوصيات المجتمع التونسي عبر تطبيق القوانين السارية على الجميع، خاصة أن توافد الافارقة من دول جنوب الصحراء أدى إلى تحولات كبيرة في سلوك التونسيين”.
وسبق أن أدلى قيس سعيد خلال اجتماع رسمي، شهر فبراير الماضي، بتصريحات مماثلة، تحدثت عن تدفق “جحافل” من المهاجرين غير النظاميين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، معتبرا أن ذلك مصدر “عنف وجرائم” وجزء من “ترتيب إجرامي” يهدف إلى “تغيير التركيبة الديموغرافية لتونس”.
وحمّلت مجموعة من المنظمات الحقوقية تصريحات سعيد، مسؤولية تصاعد في الأعمال العدائية على مهاجرين أفارقة من دول جنوب الصحراء، الذين توجه العشرات منهم إلى سفارات دولهم لطلب إجلائهم من البلاد.
السلطات التونسية تعلن تسجيل “خسائر كبرى” بعد الحرائق التي عرفتها البلاد
اترك تعليقاً